
بقلم : اللواء أشرف عبد العزيز الخبير الأمني والاستراتيجي
ليست ذكرى نصر السادس من أكتوبر مجرد صفحة مطوية في سجلات التاريخ العسكري، ولا مجرد بطولات خُلدت في كتب التاريخ؛ بل هي نقطة الارتكاز الاستراتيجية التي أعادت رسم الخريطة الجيوسياسية للمنطقة بأكملها، وأسست لمفهوم “الإرادة الوطنية” التي تتجاوز المستحيل.
في عام 1973، لم يكن العبور مجرد عبورٍ لمانع مائي أسطوري (قناة السويس) أو تحطيمٍ لخط برليف المعقد هندسياً، بل كان «عبوراً من اليأس إلى الأمل»، وكسراً لجمود أمني وسياسي فرضته ظروف الإحباط. إن التخطيط الدقيق، والخداع الاستراتيجي المعقد، وتكامل الأداء بين القيادة السياسية والعسكرية والجهد الشعبي، كان بمثابة نموذج يُدرس حتى اليوم في أكاديميات العالم العسكرية حول كيفية تحويل الضغوط والتحديات الجسيمة إلى فرص للنصر والسيادة.
من نصر السلاح إلى معركة البناء والاستقرار
إذا كان نصر أكتوبر قد استرد الأرض والكرامة بقوة السلاح والدبلوماسية، فإن الدرس المستفاد الأكثر أهمية في عصرنا الحالي هو أن «الحفاظ على النصر أشمل وأعقد من تحقيقه».
إن مفهوم الأمن القومي في العالم المعاصر لم يعد يقتصر على حماية الحدود الجغرافية بالعتاد التقليدي فقط، بل امتد ليشمل:
1. الأمن الاقتصادي والنمو المستدام: بناء البنية التحتية الشاملة والمشاريع القومية لضمان استقلالية القرار الوطني.
2. الأمن السلوكي والوعي الفكري: مواجهة الشائعات، وحروب الجيل الرابع والخامس، ومحاولات التزييف والتضليل التي تستهدف الوعي الشعبي والشباب.
3. الأمن السيبراني والدعم التكنولوجي: حماية المقدرات الرقمية والمعلوماتية للدولة في عالم يدار بالبيانات والذكاء الاصطناعي.
عقيدة روح أكتوبر في مواجهة تحديات الحاضر
إن الروح التي حركت الجندي المصري في روح أكتوبر هي ذاتها الطاقة التي تحتاجها الشعوب لمواجهة الأزمات الاقتصادية والتحديات الإقليمية والدولية المعقدة. إن العقيدة الأجهزة الوطنية اليوم تعتمد على الاستباقية، والجاهزية الشاملة، والقدرة على إدارة الأزمات بحكمة واقتدار.
يبقى السادس من أكتوبر يوماً للوفاء لشهداء الوطن الأبرار الذين قدموا أرواحهم فداءً للتراب الوطني، ورسالة تذكير دائمة لكل الأجيال: إن الأمة التي استطاعت أن تصنع معجزة العبور في أصعب الظروف، قادرة دائماً على تجاوز كافة التحديات الحاضرة والمستقبلية، وصياغة غدٍ أكثر أماناً وازدهاراً.



